عبد القادر الجيلاني

109

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

رجعت إلى رعونتها وشرها وبطرها وإعراضها عن طاعة ربها وأنهما كها في معاصيه ، وتنسى ما كانت فيه من أنواع البلاء والضر وما حل بها من الويل ، فترد إلى أشد ما كانت عليه من أنواع البلاء والضر ، لما اجترحت وركبت من العظائم فطما لها وكفا عن المعاصي في المستقبل ، إذ لا تصلح لها العافية والنعمة بل حفظها في البلاء والبؤس ، فلو أحسنت الأدب عند انكشاف ابلية ولازمت الطاعة والشكر والرضى بالمقسوم لكان خيرا لها دنيا وأخرى ، وكانت تجد زيادة في النعيم والعافية والرضى من اللّه عزّ وجلّ والطيبة والتوفيق ، فمن أراد السلامة في الدنيا والأخرى فعليه بالصبر والرضا ، وترك الشكوى إلى الخلق وإنزال حوائجه بربه عزّ وجلّ ولزوم طاعته وانتظار الفرج منه والانقطاع إليه عزّ وجلّ ، إذ هو خير من غيره ومن جميع خلقه ، حرمانه عطاء ، عقوبته نعماء ، بلاؤه دواء ، وعده نفذ ، قوله فعل مشيئة حاله ، إنما قوله وأمره إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : الآية 82 ] كل أفعاله حسنة وحكمة ومصلحة ، غير أنه طوي علم المصالح من عباده وتفرد به ، فالأولى واللائق بحاله والرضى والتسليم ، واشتغاله بالعبودية من أداء الأوامر وانتهاء النواهي والتسليم في القدر ، وترك الاشتغال في الربوبية التي هي علة الأقدار ومحاربتها ، والسكوت عن لم وكيف ومتى ؟ والتهمة للحق عزّ وجلّ في جميع حركاته وسكناته ، وتستند هذه الجملة إلى حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وهو ما روي عن عطاء بن عباس رضي اللّه عنهما قال : « بينما أنا رديف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ قال لي يا غلام : احفظ اللّه يحفظك ، احفظ اللّه تجده أمامك ، فإذا سألت فاسأل اللّه ، وإذا استعنت فاستعن باللّه ، جف القلم بما هو كائن ، فلو جهد العباد أن ينفعوك بشيء لم يقضه اللّه لك لم يقدروا عليه ، ولو جهد العباد أن يضروك بشيء لم يقضه اللّه عليك لم يقدروا عليه فإن استطعت أن تعامل الناس بالصدق واليقين فاعمل ، وإن لم تستطع فإن الصبر على ما تكره خيرا كثيرا . واعلم أن النصرة بالصبر والفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسرا » « 1 » فينبغي لكل مؤمن أن يجعل هذا الحديث مرآة لقلبه وشعاره ودثاره وحديثه ، فيعمل به في جميع حركاته وسكناته حتى يسلم في الدنيا والآخرة ويجد العزة فيهما ، برحمة اللّه عزّ وجلّ .

--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 4 / 667 ) ، والحاكم في المستدرك ( 3 / 623 ) ، والضياء في المختارة ( 10 / 24 ) ، وأحمد في المسند ( 1 / 293 ) .